الراغب الأصفهاني

853

تفسير الراغب الأصفهاني

قوله تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ « 1 » إعداد الشيء تهيئته قبل الحاجة إليه ، وإنما أراد تقديره وإيجاده ، فلا حاجة به تعالى إلى الإعداد ، وأصله من العدّ ، وقولك : أعددت كذا لكذا ، أي اعتبرت قدره بقدره « 2 » ، إن قيل : ما وجه ذكر اتقوا النار بعد قوله : اتَّقُوا اللَّهَ : قيل : قد تقدّم « 3 » أن قوله : اتَّقُوا اللَّهَ يقال باعتبار ذاته ، واتقوا النار باعتبار عقابه ، فالأول للأولياء الأصفياء ، ولذلك وصله بالفلاح الذي هو أعلى درجة الثواب . والثاني للمذنبين ، فلذلك وصله بالرحمة « 4 » ، ولما كانت المنزلة الأولى لا تحصل إلا لمن حصلت له المنزلة الثانية ، حثّ كافة

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآيتان : 131 ، 132 . ( 2 ) انظر : العين ( 1 / 79 ، 80 ) ، والأفعال لابن القوطية ص ( 16 ) ، وتهذيب اللغة ( 1 / 90 ) ، والمفردات ص ( 550 ) . ( 3 ) انظر : تفسير الراغب المخطوط ( ق 29 ) عند تفسير قوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ . ( 4 ) قال البقاعي : « ولما كان الفائز بالمطالب لا يوقى المعاطب قال تعالى : وَاتَّقُوا النَّارَ أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته . نظم الدرر ( 2 / 156 ) . قلت : وهذا أحسن مما قاله أبو حيان في البحر المحيط ( 3 / 58 ) قال : « لما تقدم اتَّقُوا اللَّهَ والذوات لا تتقى ، فإنما المتقى محذوف أو ضحه في هذه الآية : وَاتَّقُوا النَّارَ .